مجمع البحوث الاسلامية
360
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
الفطريّة ، والحجّة العقليّة الّتي يميّز بها الإنسان بين الحقّ والباطل ، والهدى والضّلال . والمعنى : أفمن كان على بيّنة وبصيرة في دينه من ربّه ، فهو كقوله : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ الزّمر : 22 ، وَيَتْلُوهُ شاهِدٌ مِنْهُ أي ويتبع هذا النّور الفطريّ والبرهان العقليّ المراد بالبيّنة ، وأعاد الضّمير عليها مذكّرا باعتبار معناها ، ويؤيّده نور آخر غيبيّ إلهيّ منه تعالى ، يشهد بحقّيّته وصحّته ، وهو هذا القرآن ، الّذي هو مشرق النّور والهدى والبرهان . ( 12 : 50 ) الطّباطبائيّ : عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ ، البيّنة : صفة مشبّهة ، معناها الظّاهرة الواضحة ، غير أنّ الأمور الظّاهرة الواضحة ربّما أوضحت ما ينضمّ إليها ويتعلّق بها ، كالنّور الّذي هو بيّن ظاهر ، ويظهر به غيره ، ولذلك كثر استعمال « البيّنة » فيما يتبيّن به غيره ، كالحجّة والآية ، ويقال للشّاهد على دعوى المدّعي : بيّنة . . . وقد سمّى اللّه تعالى الحجّة : بيّنة ، كما في قوله : لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ الأنفال : 42 ، وسمّى آيته : بيّنة ، كما في قوله : قَدْ جاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هذِهِ ناقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً الأعراف : 73 ، وسمّى البصيرة الخاصّة الإلهيّة الّتي أوتيها الأنبياء : بيّنة ، كما في قوله حكاية عن نوح عليه السّلام : يا قَوْمِ أَ رَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ هود : 28 ، أو مطلق البصيرة الإلهيّة ، كما هو ظاهر قوله تعالى : أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ محمّد : 14 ، وقد قال تعالى في معناه : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُماتِ لَيْسَ بِخارِجٍ مِنْها الأنعام : 122 . الظّاهر أنّ المراد بالبيّنة في المقام هو هذا المعنى الأخير العامّ ، بقرينة قوله بعد : أُولئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ ، وإن كان المراد به بحسب المورد هو النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فإنّ الكلام مسوق ليتفرّع عليه قوله : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ هود : 17 . فالمراد بها البصيرة الإلهيّة الّتي أوتيها النّبيّ عليه السّلام ، لا نفس القرآن النّازل عليه ، فإنّه لا يحسن ظاهرا أن يتفرّع عليه قوله : فَلا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ ، وهو ظاهر ، ولا ينافيه كون القرآن في نفسه بيّنة من اللّه ، من جهة كونه آية منه تعالى ، كما في قوله : قُلْ إِنِّي عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ الأنعام : 57 ، فإنّ المقام غير المقام . وبما مرّ يظهر أنّ قول من يقول : إنّ المراد بمن كان إلخ ، النّبيّ خاصّة إرادة استعماليّة ، ليس في محلّه ، وإنّما هو مراد بحسب انطباق المورد . وكذا قول من قال : إنّ المراد به المؤمنون من أصحاب النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، فلا دليل على التّخصيص . ويظهر أيضا فساد القول بأنّ المراد ب « البيّنة » هو القرآن ، وكذا القول : بأنّها حجّة العقل ، وأضيفت إلى الرّبّ تعالى ، لأنّه ينصب الأدلّة العقليّة والنّقليّة . ووجه فساده أنّه لا دليل على التّخصيص ، ولا تقاس البيّنة القائمة للنّبيّ عليه السّلام من ناحيته تعالى ، بالتّعريف الإلهيّ القائم لنا من ناحية العقول . ( 10 : 183 ) نحوه محمّد حسين فضل اللّه . ( 12 : 42 ) مكارم الشّيرازيّ : أفمن كان لديه دليل واضح من